نبذة عن حياة الفنان سيد احمد ولد احمد زيدان/ الأستاذ محمد الكوري العربي (رأي حر)

أربعاء, 2016-03-16 09:39

هو سيد احمد ولد سيدي ولد احمد زيدان ولد سيدي احمد آوليل ، ولامه بنت البان ولد بوبه جدو ولد سيد احمد آوليل . ولد 1935 ( وهو ما يعرف في الحوض الشرقي بعام الخير والعافية ) ، في واد ( جكراكه) عند اعوينت ولد (انككو) ، بين جكني وكوبني .

نشأ يتيما من ابيه ، الذي توفي عنه وهو في الخامسة من عمره ، فتربى مع أخيه حمه ولد احمد زيدان . بدأ سيدي احمد بتعلم وحفظ القران الكريم ، الذي حفظه كاملا في سن مبكرة ثم أعاد قراءته من جديد على عادة الشناقطة ، فضلا عن مبتدآت العلوم الشرعية الإسلامية . وعندما كان في السادسة عشر من عمره ، فر من أسرته ، التي كانت في مضاربها عند (اتويميرت عبدوتي) ، على إثر توبيخ من أخته ، التي اختلس منها دراهم ، ليصل إلى خاله سيدي احمد ولد بوبه جدو ومكث معه زهاء ستة أشهر ، حيث ابتدأ معه أوليات الموسيقى الموريتانية ، على آلة التدنيت .

ومن الطريف ، لدى بعض الناس ، إن جل الرجال من أسرة أهل احمد زيدان لم يكونوا يشتغلوا بالموسيقى ، بل بالعلوم الدينية والشرعية الاسلامية ، بخلاف نساء الأسرة اللواتي كن من اقدر الفنانات الموريتانيات .

ويعتبر سيد احمد ولد احمد زيدان أن أستاذه في الموسيقى الموريتانية بأكمل معنى هو محمد ولد دندني ، الملقب ب (اسلماقه) . غير أن سيد احمد حظي بموهبة موسيقية فطرية فريدة ، لكنه بذل جهدا كبيرا في إتقان الموسيقى الموريتانية ، من مختلف جهابذتها ، فضلا عن تعرفه على فضاءات موسيقية عربية وافريقية وعالمية أخرى ، مما ميز أداءه الفني وأغنى تجربته الموسيقية بامتياز .

أما بخصوص الشخصيات التي أثرت في حياته الاجتماعية ، فهي عديدة بدليل علاقاته الواسعة مع مختلف الفاعلين الثقافيين والاجتماعيين الموريتانيين . غير أن أبرز شخصية موريتانية تملكته كليا ، هو المرحوم جدو ولد الساك ولد المختار ، الذي يعود إليه الدور الأبرز والحاسم في إطاحة نظام الرئيس الأسبق ، المرحوم المختار ولد داداه ، في العاشر من يوليو 1978 .

ويتذكر سيدي احمد ولد احمد زيدان أول لقاء له بالمرحوم جدو ولد السالك ، عندما كان آمر وحدة عسكرية في مدينة لكوارب ( روصو) 1966 ، ولم يسبق لهما أن تعارفا قبل ذلك برغم انتمائهما معا إلى ولاية الحوض الشرقي . في ذلك اليوم من سنة 1966 ، نزل سيد احمد ولد احمد زيدان مع أخته لخذيره عند رجل من ساكنة الحوض الشرقي يسمى سيد محمد ولد يوكات ، غير أن الرجل كان فقيرا ومغتربا ، فذهب يبحث عن جدو ولد السالك في المدينة الذي لقيه وابلغه الخبر وانه عاجز عن ضيافة ضيوفه . فما كان من المرحوم جدو إلا أن قدم على الفور بخروف ( كبش) سمين وكيس من الشاي الجيد وخنشة من السكر مع مواد أخرى تدخل في حسن الضيافة . وفي الصباح ودعهما . وهكذا سيتجدد اللقاء لاحقا ، فيكتشف ولد احمد زيدان كم هو عظيم وكريم وشجاع جدو ولد السالك .وقد قال فيه شعرا حسانيا ( شعبيا) من أروع ما قيل في المدح والتبجيل .

وفي احد أيام سنة 1980 ، ضحى ، في منزل المرحوم جدو ولد السالك بنواكشوط ، سال سيد احمد جدو عن البعثية وصدام حسين ، وكان قبل ذلك قد سمعه في مهرجان جماهيري يقول انه معجب بفكر البعث وشخصية صدام حسين .. وهكذا تعرف ولد احمد زيدان على حزب البعث العربي الاشتراكي مع جدو ولد السالك وارتبط أولا بشخص جدو ، ثم بعد استشهاده سيلتحق بالبعثيين عبر ارتباط صلوي بالمرحوم محمد يحي ولد احمد جدو . .. ثم بقيادات بعثية أخرى من بينها الأستاذ بابا الغوث ولد الطلبه ، إلى أن دخلت البلاد في التعددية السياسية وتفرقت القيادات بين التشكيلات الحزبية الجديدة . أما على المستوى القومي ، فقد التقى بالرئيس الشهيد القائد صدام حسين عندما إلتقاه في إحدى فعاليات مهرجان المربد .

والحقيقة أن سيد احمد ولد احمد زيدان وعاء ثقافي اجتمع به القرآن بأزوان ، وعلوم الشرع بعلوم الأدب ... وهو تحفة فنية وقيمة نضالية وطنية وقومية وتجربة إنسانية اختزلت حتى الآن التحولات التاريخية الموريتانية بكل مضامينها ، لشعب ابتلي بنظم سياسية تفتقد الأهلية العلمية، فاحتقرت رموزها الثقافية وخذلت أوعيتها الفنية مثل سيد احمد ولد احمد زيدان وسيداتي ولد آبه وسيدي احمد البكاي ولد عوا وسيدي ولد دندني والمختار واحمد أولاد الميداح ، ولائحة العظماء المهمولين، في الفن الموسيقي الموريتاني، لا تنتهي !! .

أمسية مع سيد احمد ولد احمد زيدان.

... هو الفنان الموريتاني القدير ، صاحب الصيت الواسع والسمعة العطرة .. هو غني عن التعريف في بلاده وبين أفراد مجتمعه . إلتقيته في منزله في فبراير 2016 ، بذلك الحي الشعبي بمقاطعة توجنين ( بوحديده الابيض ) . وجدته كعادته بأعلى دراجات البساطة والتواضع مع زوجته وصغاره ، أمام شاشة صغيرة .

كان الوقت بعد صلاة المغرب والطقس باردا جدا والرطوبة شديدة . بعد لحظة الاستقبال بتلك الحرارة الخالية من التصنع وبذلك الحنان الدافئ ، تأملت هذا الصرح الفني البشري ، الذي يجلس وحيدا دون أنيس ، إلا من أفراد عائلته ، ورجل ، في ما يبدو ، انه احد جيرانه . حسبت هذا الفنان أشبه بالحبيس في عزلة أنطولوجية قسرية ومع ذلك لم تدفع تلك العزلة سيد احمد ولد احمد زيدان إلى الوقوع في مهوى الهبوط العصبي والتردي النفسي ، بل بدا محافظا على علاقاته بالآخرين ؛ علاقات في نمو وتطور ، بما أتاحته الظروف . في تضاعيف الحديث معه ، كان سيدي احمد كمن يسترجع ذاته وكينونته عبر كلماته الشجية ذات المسحة الحزينة ، الجامعة بين شخصية لا تحتمل الاستسلام ولا يبدو أنها عرفت روح الهزيمة ، وبين كلمات بدت تأوهات من عبء الزمن ، تتماسك وتمسك بالقدرة على التحمل في وجه تيار الرضوخ والانكسار " والصبر كقدرة على التحمل يعبر عن ثقة الإنسان بالمستقبل وانشداده للأمل " ، كما يؤمن البعثيون . سألت سيد احمد ولد احمد زيدان عن أشياء متنوعة ، غير إن خيطها الناظم هو العفوية والبساطة ، في الأسئلة والأجوبة على حد سوى .

في حضرته تصورت الموسيقى هي تاريخ البشرية ، بل التاريخ هو الموسيقى التي تنطوي على وعي الشعوب الكامل بذاتها وبالذوات المختلفة من حولها .. تصورت الموسيقى هي السيادة والعبودية .. هي الخضوع والتمرد ، دون فواصل في الزمن . إنها انتزاع الاعتراف من الآخرين بلا إكراه ولا عصيان ، بخلاف الاعتراف المتبادل بالصراع ، بين الأنا والآخر ، في نظرية السيد والعبد ، التي تنتهي بالنفي المتبادل .

فالموسيقى هي امتداد للزمن في عمق المكان ، وتلازم وجودي لأبعاد الإنسان ، في ما يشبه تحاور الروح والجسد ، وصيرورة الوعي القابع بينهما ، على إيقاع الحياة . فالموسيقى هي تصالح الوجود والعدم في لحظة الاستمتاع بالأبدية ، التي تتكشف ، فقط ، لأصحاب الأذواق الرفيعة الناتجة عن خليط الأحوال الوجدانية في الإنسان .. إنها أعلى مقامات الرموز الثقافية ، ومجمع معانيها ، التي تدخل في وعي الأفراد فتوجه سلوكياتهم وتؤطر أفعالهم وتهذب أمزجتهم . والموسيقى الموريتانية خصوصا هي مفتاح " نظام المعنى " ، الذي قامت عليه ، ذات حقبة تاريخية ، ثقافة (البيظان)، بالمعنى الثقافي للكلمة، وأسست لقواعدهم المجتمعية ..